500 مليون طائر تزّين سماء فلسطين سنويا
الاربعاء 14 ذو القعدة 1437 - 09:46 بتوقيت مكة المكرمة الموافق 17-8-2016
القدس المحتلة (إينا) - تشهد فلسطين كل عام عبور أكثر من 500 مليون طائر، كون هذه البلاد ثاني أهم موقع عالمي لهجرة الطيور المحلّقة، ومعبرًا هامًا لهجرتها.
وأصدر مركز التعليم البيئي/ الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في الأردن والأراضي المقدسة، نشرة تعريفية لمناسبة بدء موسم هجرة الطيور الخريفية، الذي ينطلق في النصف الثاني من آب/ أغسطس كل عام، اشتملت على كل ما يخص طيور فلسطين، وتصنيفاتها، وأعدادها، ومراقبتها، وتحجيلها، وما يتصل بها من ممارسات، والتهديد الذي يلاحقها.
ويعد مركز التعليم البيئي الأول فلسطينيًا في مجال مراقبة الطيور وتحجيلها ودراستها، وهو العضو العربي الوحيد في منظمة الطيور الأوروبيةSEEN ، كما ساهم في تدشين محطات طيور عربية، ويجري دراسات وأبحاث متقدمة، وأصدر كتبًا عن طيور فلسطين ومناطقها، وتنقل بين خمس محافظات فلسطينية في مراقبة الطيور هي بيت لحم، وأريحا، وغزة، وطولكرم، وجنين.
ويحوي مقر المركز في مدينة بيت جالا متحفاً للتاريخ الطبيعي يضم أكثر من 2500 عينة من المتحجرات ومحنطات الطيور، التي يعود بعضها إلى عام 1902، ويسعى لتحويله إلى متحف وطني متخصص.
ووفقا للمركز، فإن الهجرة الخريفية هي التي تهاجر فيها الطيور انطلاقًا من النصف الشمالي للكرة الأرضية نحو الجنوب عبر فلسطين، اعتباراً من منتصف آب/ أغسطس وحتى تشرين الثاني/ نوفمبر كل عام. وتعتبر هذه الهجرة بطيئة، بخلاف الربيعية السريعة للحاق بموسم التفريخ.
والسبب الرئيس لكثرة الأعداد والأنواع في الطيور المهاجرة عبر فلسطين، موقعها الجغرافي الحيوي بين القارات الثلاث: آسيا، وإفريقيا، وأوروبا، في منتصف طريق الهجرة، وتعتبر فلسطين عنق الزجاجة بالنسبة لهجرة الطيور.
وأهم مسارات هجرة الطيور في فلسطين ثلاثة: المناطق الواقعة ضمن حفرة الانهدام وهي الأغوار وأريحا، وسلسلة جبال القدس، والسهل الساحلي. وهي مواقع تمت دراستها من باحثي مركز التعليم البيئي خلال إنشاء محطات مراقبة وتحجيل دائمة أو موسمية فيها.
يأتي القسم الأكبر من الطيور من أوروبا ووسط آسيا وغربها، وتقضي الشتاء في أفريقيا. وهذه الطيور تعبر فلسطين وتختار خطوط هجرة مختلفة خلال هجرتي الخريف والربيع. ويُلاحظ بعضها بأعداد أكبر خلال الخريف مثل النكّات (السّياف)، فيما يُشاهد البعض الآخر بأعداد أكبر خلال الهجرة الربيعية كاللقلق الأبيض، الذي يعتبر من أكثر الطيور المهاجرة مشاهدة خلال الربيع، وتشاهد منه أسراب مُحلقة بالمئات أو بالآلاف مستخدمة تيارات الهواء الساخن، متجهة شمالاً، وهي تهبط للطعام والراحة. كما أن العديد من الطيور الجارحة تحلّق فوق فلسطين، في خطوط هجرة محددة، وأكثرها عدداً حوّام النحل، إذ تم تسجيل نصف مليون طائر منه في سنة واحدة.
أما هجرة طائر السمان (السلوى)، فمعروفة، ويعبر هذا الطائر حوض المتوسط في ليلة واحدة، ثم يهبط منهكاً على شواطئ غزة أو شمال سيناء للراحة، ويتعرض للصيد الجائر هناك. وأكثر من 50% من أنواع معينة من الطيور المهاجرة، تتركز هجرة أعدادها في أيام قليلة جداً، لا تتعدى أربعة أيام، تسمى (قمة الهجرة). أما النصف الباقي فيتوزع قبل هذه الأيام وبعدها.
ويتميز 90% من الطيور المهاجرة، بأن عبورها لسماء فلسطين التاريخية عادة يكون أقصر في الربيع منه في الخريف؛ بسبب الاندفاع القوي للطيور للوصول إلى مناطق تفريخها بأسرع وقت ممكن، لتأسيس مناطق نفوذ أو سيطرة، واستغلال الوقت الثمين بأقصر فرصة.
ووفقا لمركز التعليم البيئي، تعتبر دراسة الطيور ومراقبتها علمًا له أسسه وضوابطه وباحثوه، وهي ترف يوفر متعة وتسلية للهواة أيضاً. ويجب التفريق بين المشاهدات والصور التي يجمعها الهواة والبيانات العلمية الدقيقة للطيور، كما لا يمكن اعتماد المشاهدات كمرجع علمي أو تداولها الإعلامي لما تشمله من تضارب وعدم دقة.
وتشكل الطيور مؤشرا بيولوجيًا هامًا، وهي أساس مهم في المكافحة العضوية للآفات، عبر التهام الطيور للحشرات الضارة، ويعتبر طائر اللقلق الأبيض (أبو سعد) صديقا للمزارع خاصة وقت حراثة الأرض؛ لالتقاطه الزواحف والقوارض.
وهناك دور حيوي للطيور المهاجرة في النظم البيئية ومقومات الحياة على الأرض، وتعيد الأمل للتخلص من الزراعات الكيماوية والعودة للعضوية منها، وخاصة في حال تطوير المكافحة العضوية للآفات، التي تساهم أنواع عدة من الطيور في تحقيقها، من خلال تنظيف البيئة من الجيف والقوارض والحشرات المسببة للآفات والفيروسات.
ويطرح اختفاء أسراب الطيور المهاجرة أو تراجع أعدادها، العديد من التساؤلات حول تدمير النظام البيئي، والعبث بتوازنه، وقتل الكثير من الأعداء الطبيعيين للآفات الزراعية، بفعل الاستخدام المفرط للكيماويات السامة، وما يمثله ذلك من تهديد للتنوع الحيوي وعناصره.
كما إن هذه المخلوقات، وما تحمله من قيم بيئية وجمالية، بحاجة إلى مجهود كبير، لرفع مستويات الوعي حول المخاطر التي تعرض طريق هجرتها من تدمير لموائلها، وصيدها الجائر، والتلوث وتداعيات التغير المناخي، وكذلك إلى تطوير القوانين الفلسطينية التي تحمي الطيور خاصة المهددة منها بالانقراض.
في العام 2015، أصدر مركز التعليم البيئي قائمة طيور فلسطين، وهي دراسة عن الطيور في الضفة الغربية وقطاع غزة، جرى خلالها توثيق وحصر (373) نوعًا من الطيور، تشمل (22) رتبة و(64) عائلة أساسية، و(30) عائلة فرعية، و(186) جنسًا، والتي جرى تحجيلها ورصدها ومراقبتها وتوثيقها في الضفة الغربية وغزة.
 أما في فلسطين التاريخية فالرقم أكبر وهو 530 نوعًا. ورصدت القائمة 14686 في محطات المركز الدائمة والموسمية (بيت جالا، وأريحا، وطولكرم) باستثناء مرج ابن عامر (جنين) الذي دشنت محطته خلال ربيع 2016.
وتصنف الطيور حسب وضعها في فلسطين إلى خمس مجموعات: المقيمة (المستوطنة)، والزائرة الصيفية، والمهاجرة، والزائرة الشتوية، والمشردة.
وتتواجد الطيور المقيمة على مدار العام، وتُفرخ وتتكاثر وترعى صغارها ضمن البيئات المختلفة في فلسطين، كالعصفور الدوري (البلدي)، والغراب الأبقع، وعصفور الشمس الفلسطيني. وتتوزع هذه الطيور بين الشائعة كالبلبل أصفر العجز، والنادرة جداً كحال النسر المُلتحي. وتنتقل بعض أنواعها من منطقة لأخرى في فلسطين، مثل الزرزور الأسود (السوادية)، إذ يمكن ملاحظة التغير في أعدادها من خلال مراقبتها في مناطق تواجدها، فيما يستقر البعض الأخر في منطقة محددة، كشأن البومة النسارية.
وتشمل الطيور المقيمة الكثير من الطيور الاجتماعية، التي تعيش ضمن مجموعات على مدار السنة، كالحمام الجبلي. وتشكل هذه المجموعة 20% من طيور فلسطين، وثمة أنواع تكون خليطًا بين المقيمة والموسمية، ولا يمكن ملاحظة هذا إلا بمراقبة التغير في أعداد هذه الأنواع، وأماكن تفريخها.
وقال المركز: إن الواجب يحتم البدء بحملة للتعريف بالتنوع الفريد لفلسطين، ثم الانطلاق لصيانة النظم البيئية والمحافظة عليها من التخريب والعبث، والاعتناء بموائل الطيور والمحافظة عليها، وحماية الأنواع المهددة بالانقراض، ومحاربة الصيد الجائر الذي تتعرض له، وحظر الاتجار بالحيوانات البرية، وإنشاء قاعدة معلومات لتوثيق الطيور: مساراتها، وخطوط هجرتها، وأماكن تفريخها، وكل ما يتصل بها، كما يحتم بناء إستراتيجية وطنية خاصة بحماية التنوع الحيوي، والإعلان عن الأنواع المهددة بالانقراض وصون المناطق المهمة للطيور، وسن تشريعات وتفعيل القوانين السارية لغرض حماية التنوع الحيوي، والدعوة إلى الالتزام بالمعاهدات والمواثيق الدولية ذات الصلة، وتبادل الخبرات على المستوى الوطني والإقليمي والدولي، والمساهمة في تطور متحف التاريخ الطبيعي لفلسطين التابع للمركز، إلى جانب البدء بتطوير الوعي البيئي، وتحفيز الإعلام في فلسطين لإعطاء قضايا البيئة المساحة التي تستحقها.
وأشار المركز إلى أن التحجيل يعني الإمساك بالطائر بطريقة علمية، وتفحصه، وقياس وزنه، ونسبة الدهون في جسمه، وطول أجنحته، ونوعه، ووضع حلقة معدنية على رجله اليسرى تحمل اسم فلسطين، وتدوين المعلومات الخاصة به في سجل إلكتروني قبل إعادة إطلاقه. وتوضع البيانات في الشبكة الدولية للمعلومات، قبل أن يُطلق الطائر، بعد توثيقه بالصور.
وتبنى مجلس الوزراء الفلسطيني في شباط/ فبراير 2015 تنسيب سلطة جودة البيئة، اعتبار عصفور الشمس طائراً وطنياً لفلسطين.
وعصفور الشمس الفلسطيني من رتبة الطيور المغردة، وعائلة المغثريات (عصافير الشمس)، اسمه الشعبي "أبو الزهور"، واسمه العلمي Nectarinia osea، ويبلغ طوله 11-12 سنتمترا، وهو مُلون ورائع وجميل ومرتبط بفلسطين لأنه اكتشف لأول مرة فيها عام 1865، ويتواجد فيها تحديدا، وبشكل أقل في دول حفرة الانهدام.
ويتغذى عصفور الشمس على الحشرات، ورحيـق الأزهار باستخدام لسانه الطويل؛ لاستخراج الرحيق من الزهور، ويطير مقابل الزهــرة، ويفضّل المناطق مرتفعة الحرارة والمناخ الجاف. ويُعد من أصغر الطيور في فلسطين، وهو رشيق الحركة، مفعم بالحيوية، ويطير بسرعة هازًا جناحيه بسرعة كبيرة، منقاره أسود طويل دقيق وينحني إلى الأسفل. فيما الذيل قصير، والأرجل سوداء طويلة، أما قزحية العين فلونها بني، والذكر يتميز بألوانه الزاهية الجميلة، رغم أن لونه العام أسود داكن، إلا أنه ومع أشعة الشمس تظهر ألوانه الزاهية الخضراء والزرقاء والبنفسجية في الأجزاء العلوية من الجسم ومنطقة الصدر، أما جوانب الصدر وتحت الجناحين فمغطاة بخصلات برتقالية وصفراء. أما الأنثى فلون الأجزاء العلوية من جسمها رمادي بني، والأجزاء السفلية رمادية فاتحة اللون.
يتميّز هذا الطائر بصوته المرتفع، ويعتبر من الطيور المعروفة بانتمائها لمنطقة حفرة الانهدام، ومن المعتقدات الخاطئة أن معظم الناس يظنون أنه من الطيور الطنّانة لوجود تشابه بينهما في بعض الصفات.
(انتهى)
خالد الخالدي/ ح ص


 
جميع الحقوق © محفوظة لوكالة الأنباء الإسلامية الدولية إينا