الإثنين 11 رجب 1440 - 20:23 بتوقيت مكة المكرمة الموافق 18-3-2019
  
القاهرة (يونا) - أكد المفكر الإسلامي الدكتور حسن خطاب، أستاذ الدراسات الإسلامية ورئيس قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة المنوفية المصرية، أن الإسلام سبق كل المواثيق العالمية في تكريم المرأة ووضع المبادئ الأساسية التي تكرمها، وتحدد دورها كشريك للرجل وبدونها لا تكون الحياة.
وقال الدكتور خطاب في تصريح لاتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي (يونا): إن المرأة التي يحتفل بها العالم في شهر مارس مرتين، الأولى: في الثامن من مارس بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، والثانية: في الحادي والعشرين من مارس بمناسبة يوم الأم، هي صاحبة الدور الكبير في الحياة لأنها شريك للرجل وبدونها لا تكون هناك حياة ولا تكاثر ولا عمران، وهذه مقاصد أساسية في كل الأديان الإلهية، ولهذا وضع الإسلام مبادئ عامة لتكريم المرأة وبين دورها الذي يجب أن يفعل ولا يهمل وذلك منذ أكثر من أربعة عشر قرنا ومن أهم تلك المبادئ:
 أولاً: أنه اعتبر آدم وحواء على قدم المساواة أمام مسؤولية الأكل من الشجرة، قال تعالى: "فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ". وهذا يعني أنهما سواء فالخطاب لهما معًا في أكثر من عشرة مواضع في الآيات السابقة على العكس مما في التوراة حيث اعتبرت حواء وحدها هي سبب الفساد والخطيئة الكبرى، كما جاء فيها:
قال الله لآدم: هل أكلت من الشجرة التي أمرتك آلا تأكل منها ؟ فقال آدم المرأة التي جعلتها معي أعطتني من الشجرة فأكلت "ونلاحظ أن جملة (المرأة التي جعلتها معي) تعطى إيحاءً بالاحتقار والإهانة، ومن أجل هذا نجد في العهود الماضية ظلمًا للمرأة وضياعًا لحقوقها بسبب تحميلهم إياها أصل الفساد، وسبب الخروج من الجنة بزعمهم المفترى على الله تعالى.
وثانياً حارب الإسلام التشاؤم بالمرأة والحزن لولادتها وحرم وأدها فقال "وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت".
ثالثاً: الأمر بإكرامها بنتا، وزوجة، وأُماّ في وصيته بالنساء خيراً، وأمر القرآن الكريم، والسنة النبوية ببر الوالدين، والأم بصفة خاصة :"وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا".  
  وبهذا أوصى بالوالدين جملة ثم بَيَّن أنه للأم فضل في الحمل، والوضع، والفصال، وبذلك تستحق من البر والإحسان أضعاف ما يستحقه الأب كما في الحديث الشريف: جاء رجل إلى النبي فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك".
ولم يفرق الإسلام بين الرجل والمرأة على أساس النوع، إنما التفاضل بينهما فيما فضل الله به بعضهم على بعض، أما فيما دون ذلك، فالرجل والمرأة سواء لا فضل لأحدهما على الآخر إلا بالتقوى والعمل الصالح، قال تعالى: "من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون".
رابعاً: منح الإسلام المرأة حق التعليم، فقد كانت النساء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهبن إليه، ليسألنه في أمور الدين، وكن يسألن أمهات المؤمنين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب العيد للرجال، ثم يذهب إلى النساء يخطب فيهن. وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم طلب العلم واجبًا في حق كل مسلم رجلاً كان أو امرأة. قال صلى الله عليه وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم)
خامساً: وجعل الإسلام رضا المرأة شرطًا لصحة الزواج، فلا يستطيع أحد أن يجبر المرأة على أن تتزوج بمن لا ترضاه، قال صلى الله عليه وسلم: (لا تُنكح الأيِّم (الثيب) حتى تُستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن).
سادساً: لم يمنع الاسلام المرأة من العمل وإنما أجاز لها أن تعمل متى احتاجت الى العمل أو إذا فقدت من يعولها ويعول أولادها، أو مرض هذا العائل، ولها ذرية ضعاف، لتنفق على نفسها وعلى أولادها، فإن لم تستطع الخروج، كان على الدولة أن تتكفل بها وبعيالها، وتعمل كذلك إذا احتاج المجتمع الإسلامي إلى عملها، إذ يصبح خروجها للعمل في هذه الحالة فرض عين عليها لا يحل لها التخلف عنه.
سابعاً: أعطى الإسلام للمرأة الحق في الإرث، حيث جعل أسباب الإرث لا تفرق بين الذكر والأنثى إذ يجب الإرث بواحد من ثلاثة: القرابة والزوجية والولاء.
فمطلق القرابة الشاملة للنسب والرحم موجبة للإرث أبًا أو أمًا، ابنًا، أو بنتًا، جدًا، أو جدة، أخًا أو أختًا، وكذلك الزوجية لا فرق فيها بين الزوج والزوجة ما دام سببها صحيحًا، وهو العقد وكذلك الولاء يثبت به الحق في الإرث للمُعتِق والمُعتِقَة على حد سواء. والإسلام حين قرر ذلك إنما قرره ابتداءً، فهو أول من ورث البنات أو الإناث، ذكر ابن حجر في الفتح قال: أخرج أحمد، وأصحاب السنن، وصحح الحاكم عن جابر قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أُحُد، وإن عمهما أخذ مالهما قال يقضي الله في ذلك ونزلت أية المواريث: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ....) فأرسل النبي إلى عمهما أن اعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن وما بقي فهو لك،  وبالرغم من هذا أثار أعداء الإسلام، وضعاف الإيمان ممن يجهل الأحكام، شبهات حول ميراث المرأة في الإسلام، بأن المرأة المسلمة مظلومة، لأن ميراثها على النصف من الذكر، ولم يفهموا حكمة المشرع من ذلك، ولم يعرفوا أن ميراث المرأة في الإسلام ليس محصوراً في هذه الحالة التي يدعونها قسمة ظالمة، وادعوا كذبًا أنه لا عدل في الإسلام بين الذكور والإناث، وظهرت جراء ذلك حركات التحلل والسفور، ومن المؤسف أن بعض الدول الإسلامية استجابت لصيحات النساء المتحررات كذبًا، وانساقت وراء تلك الشعارات الكاذبة وقضت في ميراثها بمساواة المرأة للرجل في الميراث؟  وهو خروج على شرع الله، وتبديل لكلامه، وتقديم بين يدي الله ورسوله، وتحكيم للهوى، والرغبات وكما قال الله تعالى: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) وهذه الشعارات التي خرجت علينا من أوروبا، ما كان ينبغي أن تجد لها آذانا في المجتمع المسلم؛ لأن الإسلام هو أول من أعطى المرأة حقها، وأول من نادى بتكريمها، والإحسان إليها، والبر بها، فهذه الدعاوى كانت ضرورية للمرأة في مجتمعاتهم لما عرفناه فيما سبق، أن المرأة عندهم وإلى عهد قريب تُحتسب في عداد المتاع.
وهذا يعني أن المرأة مثلها مثل الرجل تتعلم وتعمل وتصنع وتبتكر وتبحث وتضيف للمجتمع، لا فرق بينها وبين الرجل فهي شقيقة الرجل في كل شيء، ولذا على المجتمعات والدول تمكين المرأة فيما تحسنه وعدم حرمانها من الميادين التي تستطيع أن تجيدها وتشغلها مادامت قادرة على ذلك، فمعيار التقدم في الحياة الكفاءة سواء العلمية والتقنية والمهنية سواء كان القائم بالعمل رجلا أو امرأة قال تعالى: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله. فالعمل والرقي مطلوب ليس من الرجل فقط وإنما ممن يحسن ويجيد، ولا يتحقق ذلك إلا بتكافؤ الفرص لمن يقدر ومن يقدم الأحسن والأفضل.
((انتهى))
حازم عبده/ ح ص

 
جميع الحقوق © محفوظة لاتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي