الأربعاء 26 ذو القعدة 1439 - 00:17 بتوقيت مكة المكرمة الموافق 8-8-2018
(يونا)
*٣ ملايين حاج .. حكمة في التفكير .. وحنكة في التدبير 
* في غرفة عمليات القيادة والسيطرة.. لامكان للتثاؤب فالعمل على مدار الساعة 
* اللواء الأحمدي: لدينا القوة الكافية وخططنا جاهزة للتعامل مع الطوارئ
* 5 طوابق لرمي الجمرات أحدها مخصص لذوي الاحتياجات الخاصة
* (107) آلاف طائف في الساعة حول الكعبة يتم رصدهم إلكترونياً
* مركز (٩١١) يتلقى يومياً 45 ألف مكالمة يتم التعامل معها فورا 
*فتيات سعوديات يعملن على مدار الساعة وفق احترافية عالية ضمن المنظومة الأمنية

مكة المكرمة (يونا) - "ليس من رأى كمن سمع" هذا المثل الدارج في منطقتنا العربية؛ ينطبق نصا وروحا على عملية إدارة الحشود في الحج، حيث يجتمع أكثر من ثلاثة ملايين شخص يؤدون الحج هذا العام؛ ملبين مكبرين؛ ينتقلون من مشعر منى إلى عرفات، ثم إلى مشعر مزدلفة؛ فمنى وأخيرا إلى الحرم المكي؛ في زمان ومكان محددين؛ غير قابلين للتأخير والتباطؤ؛ وفي تحرك متجانس محسوب بالدقيقة والساعة.
هكذا تدير المنظومة الأمنية السعودية باقتدار وامتياز؛ وبهدوء وحنكة شباب سعوديين مؤهلين تأهيلا تقنيا وأمنيا عاليا، يديرون منظومة أمنية غاية في التعقيد. 
كنت ضمن الوفد الإعلامي الاستباقي لعدد من الدول الإسلامية لتغطية الاستعدادات لموسم الحج وهي أول زيارة للمملكة؛ للاطلاع بعمق على كيفية إدارة الحشود المليونية في الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة عبر تقنيات عالمية متقدمة وكوادر أمنية سعودية تقوم بكل امتياز واقتدار في إدارة هذا العمل بإشراف مباشر من رئاسة أمن الدولة وبقية القطاعات الأمنية، سواء قوات أمن الحج والطوارئ والأمن العام والدفاع المدني، وبتمثيل متكامل من كافة القطاعات الحكومية ذات العلاقة بالحج تعمل على مدار الساعة في الحرمين الشريفين في المركز الوطني للعمليات ٩١١ وغرفة القيادة والسيطرة وإدارة الحشود التابعة للأمن العام في منى، هذه القطاعات التي تعتبر عَصب عمليات إدارة الحشود فى الحج التي يعمل فيها المئات من رجال القوات الأمنية.
تنتشر قوات الأمن في كل المواقع بالمشاعر المقدسة المكتظة بشكل كبير جدا بالحجاج من مختلف الجنسيات والثقافات وكبار السن والأطفال، وتضع هذه القوات في الاعتبار جميع الاحتمالات والسيناريوهات الأسوأ للتعامل مع 3 ملايين حاج ينتشرون في منطقة جغرافية محدودة جداً، وسيدخلون ويغادرون المشاعر المقدسة، في ساعات محدودة بكميات كبيرة جدا في أجواء حارة جدا.
كيف يتم التعامل مع هذه الحشود المليونية الراجلة والراكبة في السيارات، بدءاً من دخولهم من نقطة التفتيش المعروفة بـ"الشميسي" مرورا بوصولهم للحرم المكي ومن ثم انتقالهم إلى منى فعرفات فمزدلفة ومن ثم منى فالحرم المكي مرة أخرى في أيّام معدودات؟ تدار كل هذه العملية وفق منظومة أمنية متكاملة سعودية، لإدارة الحشود وفق خطط مبرمجة بتوقيتات واضحة لا تقبل التأخير ولا حتى التثاؤب.
بدأت الرحلة النادرة بجولة في الحرم المكي ومن ثم الدخول لغرفة عمليات إدارة الحشود، فى هذه الغرفة الكبيرة تنتشر الشاشات الضخمة وأجهزة الاتصالات اللاسلكية وينتشر أفراد القوة، الصمت سيد الموقف هنا، فالجميع يركز على الشاشات للمتابعة والرصد في الحرم المكي.
يصف مدير قوة أمن الحج والعمرة والطوارىء اللواء محمد بن وصل الأحمدي، إدارة هذه الحشود بأنها مهمة فريدة من نوعها ولا يوجد مثلها فى العالم، هذه الإدارة التي يتم رصدها عبر آلاف الكاميرات بمركز عمليات القوة الخاصة لتأمين الحرم التي اعتبرها العين التي تبصر بها قواته لإدارة حركة الحشود وضمان سلامة الحجاج لحظة بلحظة، خطوة بخطوة.
 ويقول الأحمدي، إن إدارته تملك القوة الكافية لإدارة الحشود عبر خطط منوعة معدة مسبقاً، وهي جاهزة للتعامل مع أي طارىء، وتتابع أي خطر "لا قدر الله حدوثه" للتعامل معه، بشكل سريع، فهناك أفراد موجودون في أي موقع في الحرم يرصدون أي شيء ومرتبطون بمركز غرفة العمليات التي تعمل على مدار الساعة.
ويشير اللواء الأحمدي خلال حديثه من داخل غرفة إدارة الحشود داخل الحرم المكي إلى أنه بفضل الله ورعايته لم تسجل أي حادثة في المسجد الحرام بفضل الله ثم بسبب الترتيبات والتجهيزات المعدة بترتيب دقيق جدا ووفق خطط محكمة التطبيق.
ويؤكد اللواء الأحمدي، أن المسجد الحرام مغطى تماماً بآلاف الكاميرات عبر غرفة عمليات تحكم تعتبر الأكبر على مستوى العالم، على الرغم من أنها غرفة مؤقتة، توجد بها كل الجهات الحكومية المختصة والمعنية للتعامل مع أى طارىء أو حادث لا قدر الله.
من جهته يقول قائد القوة الخاصة لأمن المسجد الحرام اللواء عبدالله بن محمد العصيمي، إن قواته تفرض رقابتها الأمنية على كل مواقع المسجد الحرام، وتتم متابعة حركة الحشود من كل باب، ففي الساعة الواحدة يطوف حول الكعبة 107 آلاف زائر، يتم رصدهم وعدهم إلكترونياً، عقب امتلاء صحن المطاف حول الكعبة، يتم نقل الحشود إلى الطابقين الأرضي والأول، وهناك مسار مخصص لذوي الاحتياجات الخاصة، ولضمان سلاسة انتقال الحجاج هناك أبواب مخصصة للدخول لصحن الطواف وأخرى للخروج حتى لا تحدث أي تعارضات ويكون هناك توحيد لحركة الدخول والخروج.
ويشير العصيمي إلى أن قواته تتعامل مع زيادة أعداد الحشود بتوزيع الكثافة عبر مداخل ومخارج لضمان سلامة الحجاج، وكل هذه العمليات تتم إلكترونياً، وينبه إلى أن قواته أيضاً تقدم المساعدة لكبار السن والإرشاد والتوجيه للحجاج والمعتمرين.
ويؤكد أن التوسعة الثالثة للحرم المكي أسهمت بشكل كبير فى استيعاب عدد كبير من المصلين.
ويقول الرائد يوسف مسحل الثبيتي من مركز القيادة والسيطرة في الحرم: إن المركز يدير ويشرف ويراقب كل المشاعر المقدسة فضلا عن إدارة وتنظيم حركة المشاة. موضحا: إن توقف أي حشد لثوان محدودة يتسبب فى مشاكل كبيرة وهنا تكمن مهمتنا في إدارة الحشود بدقة متناهية بفضل من الله. وقال: إنه فى حج العام الماضي حدث توقف متقطع لحركة الحجيج بمشعر منى وتكدس ينذر بالخطر؛ وخلال لحظات تدخلت قوة خاصة ونظمت الحركة في المنطقة وأزالت الخطر والحمدلله. 
وللتعامل مع الحشد الكبير في رمي الجمرات يقول الثبيتي: إن مركز السيطرة يرصد عدد الحجاج الموجودين فى جسر الجمرات بشكل مستمر، وهذا الجسر أصبح الآن مكونا من خمسة طوابق؛ أحدها مخصص لذوي الاحتياجات الخاصة، عبر عدهم آلياً وظهورهم عبر رسم بياني في شاشات مركز التحكم والسيطرة وهذا يمنع أي تدافع يمكن أن يحدث.
ويشير الثبيتي إلى وجود ضباط مع كل مؤسسات طوافة يتلقون أي طلبات من الحجاج سواء شكاو أو تنبيهات والاستجابة لها فورياً، حتى إن كان هناك حاج يحتاج إلى بطانية فستوفر له فورا. ويشير إلى أنه يوجد بالمركز قسم إحصاء يرفع تقارير يومية لتلافي أي أخطاء أو تقصير.
بعد مشاهدة كيفية العمل في عمليات الحشود في الحرم المكي انتقلنا بمعيّة اللواء الأحمدي إلى مركز عمليات القيادة والسيطرة، وتم إطلاعنا على عرض مرئي حول طبيعة إدارة الحشود في منى من خلال وجود المئات من الكاميرات التي ترصد كافة المواقع في منى. 
وخضنا تجربة مماثلة في المركز الوطني للعمليات الأمنية (911) وهو المسؤول عن تلقي البلاغات في المشاعر المقدسة وتصنيفها حيث يقول العقيد وليد سالم أبو شنب مدير المركز المكلف: إن المركز يتلقى يومياً 45 ألف اتصال حوالي 10% منها بلاغات، ويوجد بالمركز أربع قاعات كبيرة، واحدة لاستقبال بلاغات الرجال، وأخرى للسيدات، وثالثة لترحيل البلاغات، ورابعة لإدارة الأزمات.
ويوجد أيضاً مترجمون بالمركز لعدة لغات وينبه إلى أن المركز يعمل على مدار 24 ساعة ويستقبل كل انواع البلاغات كالحوادث المرورية وبلاغات المطار والدفاع المدني، ويتم تحويل جميع البلاغات إلى مركز العمليات الأمنية.
ويتكون المركز الوطني للعمليات الأمنية من إدارة العمليات الرئيسة وتضم مندوبين من كافة القطاعات الأمنية وضباط اتصال من وزارتي (الدفاع والحرس الوطني) لسهولة تلقّي وتمرير المعلومة وكذلك عدد من الإدارات، وهي: إدارة الخطط والمعلومات، وإدارة التخطيط للأزمات والكوارث، وإدارة الدعم التقني، وإدارة المراقبة التلفزيونية، وإدارة الشؤون الإدارية، وإمارات المناطق وتضم غرف العمليات المشتركة وهي الذراع الأمنية للمركز في المناطق وتشمل هذه العمليات جميع الجهات الأمنية والعسكرية والخدميّة في المنطقة وترتبط بالإدارة الرئيسة للعمليات في مقر الوزارة بجميع وسائل الاتصال الحديثة الخطوط الساخنة والعمليات الرئيسة بالرياض أو المشتركة بالمناطق وتعمل على مدار الــ (24).
ويقدم المركز الوطني للعمليات الأمنية الخدمة الأمنية بما تحويه من معلومات وإحصاءات وتقارير للأجهزة الأمنية، بالإضافة لقيامه بالدور التنسيقي لجهود تلك الأجهزة فيما بينها من جانب، وإذا دعت الحاجة التنسيق بين الأجهزة الأمنية والقطاعات الحكومية أو الأهلية بالدولة من جانب آخر، كما يقوم المركز بمتابعة الحالات الطارئة الأمنية لتقييم الموقف، ومدى الحاجة للتدخل. 
ويضيف أبو شنب: إن النظام الذي يعمل به المركز من أقوى الأنظمة الإلكترونية لتلقي البلاغات على مستوى العالم، فعند تقديم البلاغ تظهر معلومات المبلِّغ ومنطقته، وبعد سؤاله عن نوع البلاغ يحول للجهة المختصة خلال ثوانٍ فقط، وتوجد بالمركز كل الجهات المختصة من كهرباء، وشؤون صحية، والهلال الأحمر، والحج والعمرة.
ويشير إلى وجود قسم كامل مسؤول عن الحج يتضمن مراقبة تلفزيونية لجميع المشاعر المقدسة، مكة، ومنى، وعرفات ومزدلفة خلال فترة الحج والعمرة وفي رمضان، وينبه إلى أن وزير الداخلية يكون موجودا على مدار الساعة في المركز خلال موسم الحج لمتابعة سير وتلقي البلاغات.
ويؤكد أبو شنب أن مركز القيادة والسيطرة التابع لأمن الحج والعمرة والطوارىء، مرتبط إلكترونيا بهذا المركز وهناك تنسيق كامل بين جميع الأطراف التي تعمل ضمن منظومة أمنية موحدة.
وفي مقر "٩١١" وجدنا فتيات سعوديات يعملن على مدار الساعة وفق احترافية عالية، ويجدن التحدث بعدة لغات في القسم المخصص لتلقي البلاغات من النساء، الجولة الميدانية كشفت عن منظومة أمنية تعمل بكل امتياز وبدقة متناهية لإنجاح الحج.
ما شاهدناه من انضباط وتنظيم ودقة للنظام الأمني المتكامل لإدارة الحشود الذي يقف عليه أولئك المرابطون؛ بلا شك أمر يدعو للدهشة والإعجاب، وهو توفيق رباني حباهم به المولى عز وجل؛ إذ الرباط والعمل في هذه الثغور هو الجهاد بعينه، فهم يحرسون إخوانهم المسلمين في أكبر شعيرة إسلامية – الحج - يأتي إلها الناس من كل فج عميق. وكما قال الرسول الكريم: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها...).
(انتهى)
ز ع/ ح ص
جميع الحقوق © محفوظة لاتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي